تناول تقرير لصحيفة "ذي تايمز" البريطانية نشرته اليوم الخميس الوضع الأمني داخل سوريا بعد زهاء عام من الثورة الشعبية الداعية لإسقط النظام. ويسلط التقرير الضوء على الجرائم البشعة التي اقترفها عناصر الجيش السوري النظامي بحسب روايات جنود منشقين، وفيما يلي نص التقرير:
"الجيش السوري عالق قي أيدي نظام وحشي من الانضباط الميداني ومحاكم عسكرية متشددة، وتصفيات لأي جندي يشك النظام في ولائه، بحسب ما يقوله ضباط انشقوا عنه وانضموا للمجموعات الثورية داخل سوريا.
ومع ذلك فهذه الإجراءات التعسفية فشلت في الحد من تدفق المنشقين عن وحدات الجيش التي تعاني من مستوى قياسي من الانشقاق والتوترات الداخلية رغم التقدم الذي تحرزه في ميادين القتال. وخلال مقابلات عديدة مع ضباط وجنود داخل سوريا هذا الأسبوع علمت صحيفة "ذي تايمز" أنه حتى الفرقة الرابعة المدرعة التي يقودها ماهر الأسد شقيق الرئيس بشار - وهي وحدة النخبة التي تعتبر من أكثر الفرق ولاء للنظام- يسودها الرفض والتخوف المنتشر بين الضباط العلويين والجنود السنة.
وقال جعفر، وهو عقيد علوي انشق عن الفرقة الرابعة: "ليس الجنود السنة فقط هم الذين يريدون الانشقاق". وفي قاعدة سرية للثوار في شمالي سوريا أضاف جعفر: "هناك كثير من الضباط العلويين الذين يريدون التخلي عن النظام. نحن على اتصال معهم من خلال قنواتنا. الخوف فقط هو الذي يبقيهم في الجيش".
ومع أن الثوار تنقصهم بشدة الذخيرة والقيادة المشتركة، ولا يملكون سوى البنادق والقنابل المصنوعة محلياً وكمية محدودة من قاذفات "آر بي جي"، فهم يقولون إن كوادرهم في الشمال تضخمت بشكل كبير خلال الأسابيع الماضية بعد انشقاق جنود استاءوا من عمليات النظام العسكرية في حمص وإدلب.
وقال أبو عبد الله، وهو قائد للثوار انشق عن إدارة الاستخبارات العسكرية قبل شهرين، ويقود الآن سرية من الثوار ضمن كتيبة "قذائف الحق": "في المتوسط يصلني يوميا ما بين 10- 15 منشقاً. 90 في المائة من المقاتلين في الكتيبة التي أقودها هم منشقون. كانت بابا عمرو وإدلب خسارتين بالنسبة إلينا، ولكن من ناحية أخرى فإن سلوك بشار الأسد مع شعبه في هاتين المدينتين أدى لموجة جديدة من المنشقين الذين انضموا إلينا، أو يتصرفون كجواسيس لصالحنا في جيشه".
واعترفت السلطات التركية أن 10 من الجنرالات السوريين و19 عقيدا هم بين المئات من المنشقين داخل تركيا. ومع ذلك فأغلبية المنشقين موجودة داخل سوريا. وعمليات الانتقام من المنشقين تتواصل من دون هوادة. ومن بين عشرة منشقين قابلناهم في قواعد مختلفة للثوار في سوريا أعطى كل ضابط وجندي تفاصيل للمرة الأولى، وصفوا فيها قتل الجنود الذين يشك النظام في ولائهم. وقال العقيد جعفر، الذي كان يقود الفرقة 235 في الفرقة المدرعة الرابعة ضد المنشقين في جنوب سوريا: "12 من جنودي قتلوا على أيدي قوات الأمن الذين وضعهم النظام خلفنا عندما حاولوا الانشقاق في درعا". وأضاف: "أطلقوا عليهم النار في الشارع عندما أرادوا الانضمام للمحتجين. كان ذلك واحداً من الدوافع التي جعلتني أقرر الانشقاق".
والانتقام من عائلات المنشقين هو نمط آخر من الممارسات السائدة داخل الجيش كوسيلة للإبقاء على تماسك وحداته. وتمت ملاحقة والد العقيد جعفر وشقيقه في اللاذقية واعتقالهما وتعذيبهما بعد اسبوعين من انشقاقه قبل خمسة شهور. وقال جعفر: "لا أعلم شيئا عن مصيرهما. فلم يخرجوا مطلقا من السجن".
علي، وهو جندي في الحادية والعشرين من العمر، هرب من الفرقة المدرعة الحادية عشرة خلال القتال في بابا عمرو بحمص، وقال إن 15 جنديا من سريته البلغة 100 جندي انشقوا خلال الشهر الماضي.
وأضاف في إحدى القرى شمالي إدلب: "المشكلة التي نواجهها جميعا هي اختيار الوقت الملائم للانشقاق. الجيش ألغى إجازات كثير من الجنود السنة لمنعهم من الانشقاق، وسحب بطاقات الهوية العسكرية من بعض الوحدات".
وقال أيضا: "التحرك من دون وثائق مستحيل. بعض الجنود يرشون ضباطهم للحصول على إجازات أو تصريح مرور ثم يهربون بهذه الطريقة. غيرهم يركض ببساطة عبر الخطوط الأمامية إلى الثوار عندما يجدون الفرصة". ووصف علي مصير أحد رفاقه الذي قبض عليه الأمن العسكري عندما حاول الهروب من بابا عمرو قبل ثلاثة أسابيع.
واستطرد: "قبضوا على يوسف وجلبوه إلى الحاجز الذي كنت متمركزا فيه. كان يرتدي الزي العسكري. أطلقوا عليه رصاصة واحدة لكنه لم مت. ولذلك وضعوه بمحاذاة دبابة وأطلقوا النار عليه من جديد. وقطعوا وجهه بالسكينن وأطفأوا سجائرهم عليه.
وأبقوا جثته على الحجز لتكون عبرة. وغضب الجنود السنة الآخرون في الوحدة وبدأ الأقوياء منهم يتحدثون عن الانشقاق أيضاً. كنا غاضبين بالفعل بعد أن رأينا إطلاق النار على النساء والأطفال في مسجد عمر بن الخطاب. لكن الانشقاق صعب، فهناك بنادق كثيرة موجهة نحو ظهور الجنود".
واتفق المنشقون على أن مصير القوات السورية يكمن في إقامة منطقة عازلة داخل البلاد لتوفير الحماية لمن ينشقون عن الجيش ولعائلاتهم. وقال أبو حمزة: "كثير من الجنود الذين يريدون الانشقاق يبقون مع وحداتهم فقط لأنه لا يوجد لهم مكان يذهبون إليه". وأبو حمزة، 30 عاما، انشق في الخريف الماضي وهو يقاتل الآن مع الثوار. وأضاف: "ولكن إذا أقيمت منطقة عازلة فستنشق وحدات كاملة كما نعتقد، وتنضم إلينا مع أسلحتها. إن عدم وجود منطقة عازلة هو السبب في تماسك الجيش السوري في غياب أي ضغط خارجي".
وليس هناك توجه قوي من جانب المجتمع الدولي لإقامة مثل هذه المنطقة- التي يمكن أن تشبه تلك المنطقة التي أقيمت في شمالي العراق عام 1991 لحماية الأكراد من نظام صدام حسين. وربما تصل إقامة المنطقة العازلة التي يتم تعريفها بأنها لغاية إنسانية ومهمة أمن قومي، حد اعتبارها تدخلاً عسكرياً في دولة ذات سيادة، وستواجه من هذا المنطلق معارضة في مجلس الأمن الدولي العالق بخصوص تبني استراتيجية خاصة بالأزمة السورية.
لكن المنشقين يواصلون القتال حتى مع ارتفاع عدد القتلى ونضوب ذخائرهم. وقال العقيد جعفر: "عندما كنت مع الفرقة المرعة الرابعة كان لدى وحدتي كميات لا حصر لها من الذخيرة. الآن مع الثوار نمتلك 100 طلقة لكل كلاشينكوف، ولأن سعر الطلقة الواحدة 4 دولارات، فنحن لا نطلق الرصاص إلا في حالة الاضطرار لذلك".

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق