![]() |
| د. عماد حسين |
·كان أول قنصل للولايات المتحدة بمصر ولمدة طويلة تاجر
بريطاني مقيم بالإسكندرية
· دارت مناقشات في الكونجرس عدة مرات حول جدوى المصروفات التي
تنفق على مفوضية في دولة - هي مصر- لا يوجد أي مصالح أو وجود أمريكي بها
·بدأ العمل التبشيري في مصر عام 1854 برجلين وامرأة من
المبشرين الأمريكيين في منطقة "درب الجماميز بالقاهرة
·التبشير الأمريكي كانت له خصوصية في الأداء .. فقد كان يحمل
معه قيم وتجارب أمريكية صرفة.. وكان صريحا في أنه جاء ليغير المجتمع
·
اتجهت الإرسالية الأمريكية إلى "التعليم" كوسيلة
أساسية للعمل في المجتمع المصري، ولم تقتصر على العاصمة أو المدن الكبرى، بل اتجهت
إلى منطقة مصر العليا والقرى الداخلية في الريف والصعيد
·الكنيسة المصرية تأثرت باسلوب عمل الإرسالية الأمريكية
واتبعت نفس النهج من تعريب المواعظ والصلوات، بل وإقامة مدارس ملحقة بالكنائس
للمسيحيين.
· وضع مؤسس الجامعة الأمريكية وأول رئيس لها تشارلز واطسون
فلسفة عمل الجامعة على ألا يتجه لأسلوب العمل التبشيري المباشر، ولكن تعتمد فلسفة
العمل على تغيير التوجه الثقافي والفكري للطلاب من خلال العملية التعليمية، وأن
تتجه الجامعة إلى أبناء النخبة الذين سيقودون البلاد فيما بعد
قد يكون من الصعوبة بمكان متابعة جذور تداخل الثقافات تاريخيا، كما أن
مثل هذا العمل في ذاته يتطلب إحاطةً بالعناصر الذاتية للثقافة الوافدة، فضلا عن
عناصر الثقافة الموجودة على الأرض المتأثرة بتلك الوافدة، ولا يعني ذلك ترك هذا
الجانب لصعوبته، بل إنه يحث على بذل الجهد فيه لما له من أهمية في دراسة سلوك
المجتمعات المختلفة في التعامل مع القيم الثقافية المغايرة، ومدى قدرة الشعوب على
تقبل الآخر والتعامل معه، وأيضا مدى قدرتها على مقاومة التغيير القيمي والثقافي،
ودراسة معاييرها الداخلية في الاستبقاء والاستبعاد لعناصر الثقافات الأخرى.
هذه السطور محاولة أولية لرصد جذور عناصر الثقافة السائدة في وقتنا
الحاضر – وهي الثقافة الأمريكية- على مجتمع من أقدم المجتمعات البشرية، وهو
المجتمع المصري، ولكن يجب الإقرار أن هذه السطور أيضا لن تستطيع تغطية كل المحاور
المطلوبة لمثل هذا البحث، إذ يجب أن يتوفر في بحث مثل هذا، الاستقرار على تعريف
للثقافة يكون هو محور العمل في رصد التأثر
و التأثير، ثم دراسة الثقافة الأمريكية بما يوضح أبرز خصائصها وملامحها، ويتبع ذلك
دراسة ما قد يكون من هذه الملامح في تربة المجتمع المصري نفسه قبل وصول عوامل التأثير الأمريكية عليه،
ثم تبدأ بعد ذلك دراسة فعل عناصر الثقافة وحامليها للمجتمع المصري، ورد فعل
المجتمع تجاههم، وذلك حتى نستطيع الوصول لبعض النتائج في هذا الإطار .
ليست مجرد هامبورجر وجينز
في هذا الصدد... يجب أن أسجل في هذه السطور الاعتراض على قْصْر وصف
التأثر بالثقافة الأمريكية في المجتمع المصري على الهامبورجر والجينز، فهل إذا تم
منعهما نكون قد قضينا على مظهر التأثر بالثقافة الأمريكية؟ وهل هذه المظاهر هي كل
ما حملته لنا الثقافة الأمريكية؟
أو السؤال الذي تسعى هذه السطور للإجابة عليه هل هذه هي بداية التأثر
بالثقافة الأمريكية؟
وقبل الخوض في تفاصيل التواصل الأمريكي المصري على الأصعدة المختلفة،
يجب إيضاح أن الثقافة الأمريكية - وفي ظني أي ثقافة – هي في حقيقتها مجموعة من
الثقافات الداخلية في المجتمع، فهناك الثقافة الدينية للمجتمع وهي تزداد في أوساط
معينة، وتقل في أخرى، وهناك ثقافة للمدينة تختلف عن ثقافة القرية .
وللمجتمع
الأمريكي خصوصية في هذا الإطار، إذ أنه يتكون من حركات هجرة لمجموعات بشرية متنوعة
في ثقافتها، ولكن من الواضح أن الهجرات الأولى غلب عليها شكل الفرار الديني، خاصة
المذهب البروتستانتي، و بشكل خاص الاتجاه التطهري
(البيورتان)، وهذا جعل لهذا المذهب مكانة في التكوين الثقافي الأمريكي،
ومن تداعي هذا أنه لا يوجد بين كافة رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية إلا رئيس
واحد فقط لم يكن من البروتستانت وهو جون كيندي الذي كان كاثوليكيا، وقد اغتيل عام 1961، ولا أظن أن
هذا محض صدفة.
وفي هذا الإطار يجب الالتفات إلى أن العلمانية الأمريكية ليست
علمانية رافضة للدين، فقد جاء في النقاش الذي دار حول اعتماد كنيسة رسمية للبلاد ،
أن هذا سوف يقيد الكنيسة في العمل الحر بحسب المتطلبات السياسية، وسيجعل غير
" المهتدين " في حالة دفاع عن قناعتهم ضد السلطة، ولهذا تم الموافقة على
عدم إدراج كنيسة رسمية للبلاد في الدستور الأمريكي لحماية النشاط الكنسي من الضغوط
السياسية، وهذا بالتالي جعل من الدين فعلا اجتماعيا وثقافيا داخل المجتمع،
ودعم الكنيسة يأتي من خلال التفاعل الحر بينها وبين الأفراد، وهذا تم تحت شعار
معروف في الثقافة الأمريكية وهو " الحرية الدينية "، وهذا يعني في
الثقافة الأمريكية أن ينبع الالتزام الديني من خلال الضبط الاجتماعي الحر، فمثلا
نجد أن كثيرا من موارد الجامعات الكبرى بالولايات المتحدة تأتي في شكل تبرعات من
الأفراد لمدارس تابعة لكنائس ويتم تطويرها تدريجيا لمستوى الجامعات، ومن ثم يجب أن
نعيد التفكير في نظرتنا للمجتمع الأمريكي، لنتفهم طبيعته الثقافية .
نصل لموضوع هذه السطور.... وهو جذور
العلاقة مع مصر
ترجع العلاقة الرسمية
بين الولايات المتحدة ومصر إلى عام 1832، حيث تمكنت الولايات المتحدة من تأسيس أول
مفوضية لها في مصر بموجب اتفاقية رسمية مع الدولة صاحبة الولاية على مصر وهي
الدولة العثمانية قبل هذا التاريخ بعامين، ولكن هذا لا يعكس أي قدر من الحضور
الحقيقي لها لا على المستوى الرسمي ولا على أي مستوى تجاري أو ثقافي، فقد كان أول
قنصل لها بمصر ولمدة طويلة تاجر بريطاني مقيم بالإسكندرية، بل دارت مناقشات في
الكونجرس عدة مرات حول جدوى المصروفات التي تنفق على مفوضية في دولة - هي مصر- لا
يوجد أي مصالح أو وجود أمريكي بها.
وصول أول "مبشر" أمريكي
هذا الوضع استمر حتى عام 1851 عند نزول المبشر الأمريكي ليفى تافسونز "levi tavsons"، الذي رفع تقريرا لواحدة من أكبر
المؤسسات التبشيرية في أمريكا بضرورة البدء في العمل التبشيري في مصر، ليبدأ هذا
الأمر فعليا في عام 1854 برجلين وامرأة من المبشرين الأمريكيين في منطقة "درب
الجماميز" بالقاهرة. ويجب الانتباه إلى أن الاهتمام بالمنطقة سابق على هذا إذ
بدأت أول بعثة تبشيرية أمريكية إلى الشام منذ عام 1820، وبدأ عمل أول مطبعة
أمريكية في بيروت من عام 1830.
عند هذه النقطة لا بد من توضيح أنني لا أتعامل مع عملية التبشير
الأمريكي على أنها عملية دينية مسيحية، لأن التبشير الأمريكي كان له خصوصية في
الأداء مختلفة عن أي عمل تبشيري آخر، فقد كان يحمل معه قيم وتجارب أمريكية صرفة من
جانب (فقد كان يشترط على سبيل المثال أن يتخلى من له عبيد من الرجال أو النساء
عنهم بأن يعتقهم كشرط لقبوله، وهذا لا يتعلق بالدين بقدر ما يتعلق بالقيم
الأمريكية التي خاضت حربا أهلية لحسم هذا الأمر)، ومن جانب آخر أنه كان صريحا في
أنه جاء ليغير هذا المجتمع، فلم يكن لولايات المتحدة
جالية أمريكية يختفون وراء ستارها بأنهم جاءوا لخدمتها، فلم يتعد عدد من يحملون
الجنسية الأمريكية – ومنهم من كان مصريا يحتمي بها– حتى عام 1882 أكثر من 200 شخص،
ولم يكن لمذهبهم وجود في مصر حتى هذا التاريخ، ومن ثم سيتم التعامل مع التبشير
الأمريكي من جانبه الثقافي، وعمله على زرع القيم والثقافة الأمريكية في المجتمع..
وأخيرا يجب الإشارة إلى أن المبشرين الأمريكيين لم يكونوا في الغالب قساوسة، ولكن
أفرادًا لهم حماسة دينية مع قدر من دراسة اللاهوت؛ وبالتالي فهم مواطنون يحملون
الثقافة الأمريكية بشكل أكبر من حملهم للروح الكنسية.
اتجهت الإرسالية الأمريكية إلى "التعليم" كوسيلة
أساسية للعمل في المجتمع المصري، ولم تقتصر على العاصمة أو المدن الكبرى، بل اتجهت
إلى منطقة مصر العليا والقرى الداخلية في الريف والصعيد، وقد تنوع تأثير الإرسالية
الأمريكية على جوانب عدة، فمن جانب قامت بترجمة الإنجيل للغة المحلية ونشره،
وإقامة الصلوات الكنسية كذلك بالعربية، وهذا دفع الكنيسة المصرية - بعد مرحلة من
الصدام العنيف مع أنشطة الإرسالية الأمريكية خاصة في منطقة أسيوط وصلت إلى جلد
المسيحيين المصريين المتحولين للمذهب البروتستانتي وحرق بعض مؤسسات الإرسالية –
نقول، دفعتها إلى اتباع نفس النهج من تعريب المواعظ والصلوات، بل وإقامة مدارس
ملحقة بالكنائس للمسيحيين.
انتشرت المدارس الأمريكية انتشارا كبيرا، حتى بلغت 168 مدرسة بها أكثر
من 11 ألف تلميذ وتلميذة قبل نهاية القرن 19، هذا في وقت لم يتعدَ عدد المدارس
الرسمية في البلاد في نفس الفترة 78 مدرسة.
والملاحظ أن كافة المدارس لم تكن ذات أسماء مسيحية، بل دائما كانت
الصفة "الأمريكية" ملتصقة بها، بعكس ما تم تأسيسه من مدارس تابعة
للطائفة الإنجيلية المصرية التي تأسست بمعرفة الإرسالية الأمريكية، وتطورت المؤسسة
التبشيرية بالمراحل التعليمية حتى بلغت بها إلى المرحلة الجامعية، وقد برزت فكرة إنشاء جامعة كقمة للمنظومة التعليمية الأمريكية في
عام 1899، واستمرت في نطاق الدراسة والإعداد طوال 20 سنة، حتى برزت في النهاية "الجامعة
الأمريكية في القاهرة" عام 1919.
فلسفة عمل الجامعة الأمريكية
وضع مؤسس الجامعة الأمريكية
وأول رئيس لها تشارلز واطسون "C.W. Watson" فلسفة عمل الجامعة على أساس أن:
عمل الجامعة يجب ألا يتجه لأسلوب العمل التبشيري المباشر، ولكن تتغير فلسفة العمل لتصبح
معتمدة على تغيير التوجه الثقافي والفكري للطلاب من خلال العملية التعليمية، وأن
تتجه الجامعة إلى أبناء النخبة الذين سيقودون البلاد فيما بعد.. فمن خلال دراسته
لطبيعة المجتمع المصري، وجد أن المجتمع يسير تبعا لقادته وزعمائه، وعلى ذلك يمكن
تحويل المجتمع من خلال العمل على تشكيل قادة الغد وفقا للثقافة والفكر الغربي
الأمريكي، كما أوضح في رسالته لأول مجلس
لأمناء الجامعة: أن الجهود التبشيرية على مدار سنوات طويلة في مصر لم تثمر سوى
تحويل أقل من 100 فرد إلى المسيحية، وهو لا يعتقد أنها سوف تستطيع الاستمرار
بالعمل في هذه المجتمعات لفترة طويلة، ولكن العمل وفق فكرته لتحويل المجتمع من
خلال تحويل التوجه الثقافي للقادة المنتظرين إلى الجانب الثقافي الغربي المسيحي - في
صورته الأمريكية- وإقناعهم أن هذه هي قيم التقدم، وأن قيم المجتمع الثقافية هي سبب
تخلفه، وذلك دون المساس بالجانب العقائدي بشكل مباشر.
كما أصدرت الجامعة أول مجلة متخصصة في علوم
التربية باللغتين العربية والإنجليزية في منطقة الشرق الأوسط، وهي التي استطاعت أن
تدخل مجموعة من المذاهب التربوية إلى الحياة التعليمية المصرية.
من
جانب آخر، كان بُعد الولايات المتحدة عن المنطقة في الجانب السياسي عاملاً هامًا
في تقبل المجتمع المصري لكافة الأعمال الأمريكية، فلم تتورط الولايات المتحدة في
أي عمل عدائي ضد المجتمع المصري، ولم يسمع المجتمع المصري عن قيام أمريكا بغزوٍ
لأحد المجتمعات العربية أو الإسلامية، ويضاف لهذا ما هو معروف في الثقافة السياسية
المصرية من الاعتماد على مبادئ ويلسون الأربعة عشر، والنص فيها على حق الشعوب في
تقرير مصيرها، وهو المبدأ التي تحرك به الوفد المصري في المطالبة بالاستقلال عام
1919م ( رغم تناقض فعل اللجنة الأمريكية بتأييد الحماية البريطانية على مصر عام
1921م)، ولكن هذا لم يمنع من بعض ردود الأفعال الغاضبة ضد أعمال بعض المبشرين - مثل
ما حدث من قيام القس والمبشر الأمريكي "صموئيل زويمر" بتوزيع منشورات
تدعو للمسيحية وتطعن في الإسلام داخل صحن المسجد الأزهر وبين طلابه، أو ما أشيع من
خطف بعض البنات لتنصيرهن-، ولكن على الوضع العام ظلت المؤسسات الأمريكية التعليمية
تحظى بقبول بين الجماهير، وذلك لتقديمها الخدمات التعليمية لمجتمع يمثل التعليم داخله
أحد أهم عوامل الحراك الاجتماعي.
هذا بخلاف النشاط الثقافي العام الذي أدارته الجامعة من تنظيم محاضرات
ثقافية عامة سواء داخل قاعات الجامعة أو في التجمعات المختلفة مثل جامعة الأزهر
بفروعها المختلفة في المحافظات، وجامعة فؤاد الأول ( جامعة القاهرة فيما بعد) ،
وقد حرصت الجامعة على استضافة المفكرين المصريين الذين
يخدمون توجهات الجامعة وأفكارها، أو الأفكار التي تمثل تيارا مغايرا لتقاليد
المجتمع وثقافته، مثل استضافة الشيخ على عبد الرازق صاحب كتاب "الإسلام وأصول
الحكم " ، وكذلك استضافة هنري كورييل مؤسس التيار الشيوعي المصري في عدة
محاضرات، هذا بخلاف السينما التعليمية التي أبرزتها الجامعة في النطاق العام لأول
مرة في مصر منذ عام 1925 .
وقد ظهر تأثير الثقافة الأمريكية أيضا في مناقشات لجنة الثلاثين التي
قامت بوضع الدستور المصري عام 1923، إذ برز في النقاش مبدأ "الحرية الدينية"،
وقد طرح من جانب أحد المتصلين بالدوائر الأمريكية في مصر، وكان الغرض من النقاش
النص على حقوق الأقليات الدينية في
المجتمع المصري، واستغرق هذا النقاش طويلا داخل اللجنة بضغط من أصحاب الثقافة
الأمريكية المصريين، ولكنه حسم لغير صالحهم في النهاية.
يروي أحد المفكرين
المصريين أنه بدأ يتعرف على وجه أمريكا المبتسم من خلال كتاب صدر في أواخر
الثلاثينات تقريبا هو "الأمريكي الضاحك"، ويقول أنه كان المعروف عن
الأمريكي أنه دائم التجهم والصرامة، وهذا يعكس وجه المبشر القائم بالتدريس في
المؤسسات التعليمية الأمريكية غالبا، ولكن هذا لا يعني بالتأكيد الابتعاد عن التواصل
بين هؤلاء –أقصد المدرسين- والمجتمع، بل ما تؤكده كتابات القائمين على العملية
التعليمية الأمريكية في مصر أن الاختلاط بين المدرس
وطلابه في مصر نموذج أمريكي صرف، وهذا ما نلاحظه في مذكرات الرئيس السابق "أنور
السادات"، حيث يذكر مدرسوه في مدرسته الأمريكية التي حصل منها على الابتدائية
بكثير من الود والفخر، ومن هذا السبيل اكتسبت الثقافة الأمريكية كثيرا من الأنصار
قبل أن تصل المصالح الأمريكية لمصر.
جانب آخر تم الاهتمام به وبدعم مالي ضخم من جانب المجتمع الأمريكي، ألا
وهو الآثار المصرية القديمة، فجذور الاهتمام بعلم المصريات والآثار الفرعونية بدأ
من بدايات القرن التاسع عشر عند عرض بعض الآثار الفرعونية في بعض الولايات في
امريكا، ثم نشط هذا بعد العرض الكبير الذي حدث في شيكاغو عام 1823 وتكرر بعد عشر سنوات في عدة ولايات أمريكية، ثم
توجهت بعض الجامعات الأمريكية إلى إنشاء قسم خاص للمصريات في النصف الثاني من
القرن التاسع عشر، بالإضافة إلى قسم خاص بالآثار المصرية في عدة متاحف أمريكية،
وقد وضح الاهتمام الأمريكي من خلال كتاب عالم المصريات الأمريكي جون بريستد "
تاريخ مصر " عام 1905، والذي انتشر في كثير من الدول وتمت ترجمته لعدة لغات،
وفي عام 1906 تم افتتاح قسم الفنون المصرية في متحف المتروبوليتان في نيويورك .
وفي هذا الإطار قدمت مؤسسة روكفلر دعم مالي قدره
10 ملايين دولار لدعم عمليات التنقيب عن الآثار الفرعونية ودعم البحث العلمي في
علم المصريات، وهذا لا ينفي اهتمام كل من البريطانيين و الفرنسيين بهذا العلم،
ولكن دخول الأمريكيين ساعد على نشاط هذا الجانب في الثقافة المصرية، بما تولد منه
اهتمام بجانب "دفين" داخل الثقافة المصرية، بما أبرز تيارا فكريا جديدا
في الثقافة المصرية في العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين، وهذا التيار نادى
بأن تنفصل الثقافة المصرية عن الثقافة الإسلامية والعربية ، والعودة للثقافة
الفرعونية، كما أسس هذا تلقائيا لإدخال التاريخ الفرعوني كجزء من المناهج
التعليمية في المراحل المختلفة في مصر .
هذه بعض الملامح الأساسية لجذور الثقافة الأمريكية في مصر، ومما لا شك
فيه أنه مع دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية حدث تحول كبير في
الاهتمام الرسمي والشعبي الأمريكي بمصر والمنطقة، حتى بعد حدوث القطيعة بين مصر
والولايات المتحدة في فترة الخمسينات لم يتوقف الاهتمام الأمريكي بمصر ، واعتبرت
الحكومة الأمريكية الجامعة الأمريكية في القاهرة بمثابة الحضور الأمريكي في
المجتمع المصري، وقد قدم كتاب" من يدفع لعازف المزمار " الذي تمت ترجمته للعربية تحت عنوان "الحرب
الباردة الثقافية " عرضا من خلال الوثائق الأمريكية عن عمليات الترويج
للثقافة الأمريكية في مصر والشرق الأوسط منذ الخمسينات من القرن العشرين، وهو
الأمر الذي يحتاج لاستكمال الدراسة حوله.
بقلم: د. عماد حسين محاضر
في التاريخ الحديث بجامعة الازهر

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق